كانت والدتي حفظها الله لنا دائما تقول لي ولإخوتي "لا تترك المجال لأي شخص أن يدخل بتأثير سلبي إلى دائرتك الخاصة! اجعل بينك وبينهم جدارا من الإيجابية المحاطة بالأذكار وآيات الله."
ولقد كنت -كمراهقة وبعدها كشابة في بداية الحياة- اشعر بأن ما تقوله والدتي هو من محض الخيال! وأنه لا يمكن أن أقوم بذلك! وكنت دوما اقول لها: يا أمي هذا صعب، بل إنه أقرب للمستحيل، فكيف أقوم (بتطنيش) من يقول لي كلاما سلبيا، أو من يفعل شيئا سلبيا ضدي؟ّ
الآن وبعدما كبرت ونضجت من تجارب الحياة المختلفة، أدركت أن كلام والدتي ليس خيالا، بل هو حقيقة وواقع، فأنا بالفعل أصبحت لا أبالي بكلام المحبطين، ولا اتركه يؤثر بي، بل لا اجعله يتجاوز سمعي أساسا.
أدركت أن الحياة هكذا جميلة جدا، وأنك تبدأ بالتركيز على الكثير من الأمور المهمة الأخرى في الحياة.
هناك عديد من الناس حولنا يعيشون بداخل غيمة سلبية جدا، تخيلوا اشكالهم وهم يمشون وعلى رأسهم كتلة كبيرة رمادية وسوداء، مليئة بالشحنات السلبية والصواعق، ينتقلون من شخص لآخر وهم يصعقونهم بسلبيتهم، ويتركون ضحاياهم شبه موتى وهم يصارعون كل تلك الشحنات، والأمر المضحك المبكي هو أن هؤلاء الضحايا يتجولون بدون حماية، ولا درع يقيهم من تلك الصواعق، على الرغم من اصاباتهم المتكررة!!
"حاملو الصواعق" كما أحب أن أسميهم يشحنون أنفسهم دائما وأبدا حتى لا تنفذ صواعقهم، يشحنون أنفسهم عن طريق المصاعب التي يمرون بها، أو الغيرة مما يملكه الغير، أو الشعور بالنقص لعدم حصولهم على شيء ما، أو رؤيتهم للآخرين سعداء مهما كان سبب سعادتهم بسيطا، وأحيانا بدون سبب كبير، بل لأنهم فقط يودون ذلك.
ولا تظنوا ابدا بأن "حاملي الصواعق" لا يتضررون او يتأثرون من تلك الصواعق! بل على العكس تماما، هم أول من يصاب بالاحتراق اثناء الشحن، وأول من يذوق الصاعقة قبل توجيهها الى الضحية، وكأنهم يتأكدون من فاعليتها!!
يااااه! كم أشفق على نفسي حين اتذكر كيف كنت أتجول كالساذجة بدون حماية في وسط حقل من "حاملي الصواعق" بل وفي بعض الأحيان اركض اليهم بأيدي مبلولة وكأني أقول: تفضلوا .. اقضوا علي! كنت اقضي ايام عديدة وأنا متأثرة بجراحي، وأحاول مواساة نفسي بدون نتيجة، أحيانا قد تكون الصاعقة على هيئة كلمة، نظرة، أو حتى حركة صامتة، صغيرة ولكن كفيلة بطرحك أرضا مباشرة.
المهم انني في النهاية تعلمت، ولكنني تعلمت بالطريقة الصعبة على الرغم من وجود والدتي التي كانت تبذل قصارى جهدها لئلا نقع ضحايا!
"حاملو الصواعق" كثر، أغلبهم لا يدركون اساسا أنهم من هذه الفئة، ولكن اذا مررت بهذا المقال فاسأل نفسك: هل انا بالفعل شخص سلبي؟ هل أقوم بتحطيم المعنويات من حولي؟ هل انا ممن لا يحسب حسابا لكلامه وتصرفاته مع الآخرين؟ هل أعيش حياتي متذمرا من كل شيء ولا استطيع رؤية الجزء المشرق من أي حادثة تحصل لي؟
اذا كانت اجابتك (لا) فاسال نفسك التالي: هل أن من ضحايا "حاملي الصواعق"؟ هل أترك مثل هذه الفئة تؤثر بي وبما أقوم به أو بالقرارات التي أتخذها في حياتي؟
في كل الاحوال، ومهما كانت اجابتك على الاسئلة الماضية، حاول ان تتذكر هذا الجزء من الحديث الشريف: "فليقل خيرا أو ليصمت".
ان لم يكن في قولك او تصرفك خير او ايجابية للآخرين فمن الأفضل أن تصمت.
لا تسعى بين الناس وانت تستمتع بمضايقتهم أو التسبب بشعورهم بالألم والضعف.
قد تغير حياة شخص ما بكلمة (سواء ايجابية أو سلبية) .. فكر في ذلك قبل الحديث مع الاخرين.
وان كنت من الضحايا، لا تخجل من نفسك، و كن سعيدا انك لست ممن يؤذي غيرك، ولكن!!! توقف عن ترك الاخرين وما يقولونه او يفعلونه يؤثر في مسار حياتك او مشاعرك، تذكر اننا جميعا "كتلة مُمتحنة" كما تقول والدتي وكل واحد منا يمر بالعديد من الأمور بداخله مما يعكسه على الاخرين، لذا لا تسمح لهم بالدخول لإصابتك في دائرتك الخاصة ، وارفع جدران الحماية.
منى آدم

Comments
Post a Comment